محمد مهري كركوكي
31
رحلة مصر والسودان
ثلاث خصال اما ان دخلتم في الاسلام فكنتم اخواننا وكان لكم مالنا وان أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون واما ان جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم اللّه بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين » فلما جاءت رسل المقوقس اليه قال كيف رأيتم هؤلاء قالوا « رأينا قوما الموت احبّ إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا تهمه انما جلوسهم على التراب واكلهم على ركبهم وأميرهم كواحد منهم لا يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد منهم من العبد وإذا حضرت الصلاة ثم يتخلف عنها منهم أحد يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم » فاقسم المقوقس قائلا « لو أن هؤلاء التقوا الجبال لازالوها ولا يقوى على قتال هؤلاء أحد ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لن يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من مواضعهم » وما زال على رجال حكومته حتى وافقوه على طلب الصلح فكتب إلى عمرو ابعثوا الينا رسلا منكم نعاملهم ونتداعى وهم إلى ما عساه ان يكون فيه صلاح لما ولكم » « الوفد إلى المقوقس » فبعث عمرو عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت وكان رابط الجأش هائل المنظر اسود اللون طوله عشرة أشبار وجعله متكلم القوم وامره ان لا يجيبهم إلى شيء دعوه الا احدى هذه الثلاث خصال قائلا ان أمير المؤمنين قد تقدم اليّ في ذلك وامرني ان لا اقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث « فركبوا السفن حتى اتوا المقوقس ودخوا عليه فتقدم عبادة في صدر أصحابه فهابه المقوقس لسواده وعظم جئته وقال نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني » فأجابوا « ان هذا أفضلنا رأيا وعلما وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا وانما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه وقد أمرنا الأمير ان لا نخالف له امرا » فقال المقوقس « وكيف رضيتم ان يكون هذا مقدما عليكم وهو اسود وانما ينبغي ان يكون دونكم » فقالوا « كلا وان كان اسود فهو أفضلنا » فقال المقوقس لعبادة « تقدم يا اسود وكلمني برفق فاني اهاب سوادك » فتقدم وقال « قد سمعت مقالتك وان فيمن خلفت من أصحابي الف رجل سود كلهم أشد سوادا مني وأفظع منظرا وجميعهم أشد هيبة مني وانا قد وليت وادبر شبابي واني مع ذلك بحمد اللّه ما اهاب مائة رجل وذلك انما هو لرغبتنا وهمتنا في الجهاد